الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

7

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى [ التوبة : 113 ] الآية ففي « صحيح البخاري » أنّ أبا طالب لمّا حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا عمّ قل لا إله إلا اللّه كلمة أحاجّ لك بها عند اللّه » فقال أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أمية « يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب » . فكان آخر قول أبي طالب : أنّه على ملّة عبد المطلب ، فقال النبي : « لأستغفرنّ لك ما لم أُنه عنك » . وتوفّي أبو طالب فنزلت ما كان للنبي وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 113 ] . وشذّ ما روي عن مقاتل : أنّ آيتين من آخرها مكّيتان ، وهما لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] إلى آخر السورة . وسيأتي ما روي أنّ قوله تعالى : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ [ التوبة : 19 ] الآية . نزل في العباس إذ أسر يوم بدر فعيّره علي بن أبي طالب بالكفر وقطيعة الرحم ، فقال : نحن نحجب الكعبة إلخ . وهذه السورة آخر السور نزولا عند الجميع ، نزلت بعد سورة الفتح ، في قول جابر بن زيد ، فهي السورة الرابعة عشرة بعد المائة في عداد نزول سور القرآن . وروي : أنّها نزلت في أوّل شوال سنة تسع ، وقيل آخر ذي القعدة سنة تسع ، بعد خروج أبي بكر الصديق من المدينة للحجّة التي أمّره عليها النبي صلى اللّه عليه وسلم وقيل : قبيل خروجه . والجمهور على أنّها نزلت دفعة واحدة ، فتكون مثل سورة الأنعام بين السور الطوال . وفسّر كثير من المفسّرين بعض آيات هذه السورة بما يقتضي أنّها نزلت أوزاعا في أوقات متباعدة ، كما سيأتي ، ولعلّ مراد من قال إنّها نزلت غير متفرقة : أنّه يعني إنها لم يتخلّلها ابتداء نزول سورة أخرى . والذي يغلب على الظنّ أنّ ثلاث عشرة آية من أولها إلى قوله تعالى : فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ التوبة : 13 ] نزلت متتابعة ، كما سيأتي في خبر بعث علي بن أبي طالب ليؤذّن بها في الموسم . وهذا ما اتّفقت عليه الروايات . وقد قيل : إنّ ثلاثين آية منها ، من أولها إلى قوله تعالى : قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [ التوبة : 30 ] أذّن بها يوم الموسم ، وقيل : أربعين آية : من أولها إلى قوله : وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ التوبة : 40 ] أذّن به في الموسم ، كما سيأتي أيضا في مختلف الروايات ، فالجمع بينها يغلّب الظنّ بأن أربعين آية نزلت متتابعة ، على أنّ نزول جميع السورة دفعة واحدة ليس ببعيد عن الصحة . وعدد آيها ، في عدّ أهل المدينة ومكّة والشام والبصرة : مائة وثلاثون آية ، وفي عدّ